أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

43

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

العامل فيها هو خبر المبتدأ لما ضمّن من معنى المشتق إذ هو بمعنى المسمّى . وقول ثالث : أنّ العامل فيها المبتدأ لما ضمّن من معنى التنبيه ، وهي مسألة طويلة . وبعضهم جعله حالا من الجميع على اعتبار كلّ واحد قائما بالقسط ، وهذا مناقض لما قاله الزمخشري من أنّ الحال مختصة باللّه تعالى دون ما عطف عليه . وهذا المذهب مردود بأنه لو جاز ذلك لجاز « جاء القوم راكبا » . أي كلّ واحد منهم راكبا ، والعرب لا تقول ذلك البتّة ، ففسد هذا ، فهذه ثلاثة أوجه في صاحب الحال . الوجه الثاني من أوحه نصب « قائِماً » نصبه على النعت للمنفيّ بلا ، كأنه قيل : لا إله قائما بالقسط إلا هو . قال الزمخشري : « فإن قلت : هل يجوز أن يكون صفة للمنفي ، كأنه قيل : لا إله قائما بالقسط إلا هو ؟ قلت : لا يبعد ، فقد رأيناهم يتّسعون في الفصل بين الصفة والموصوف « ثم قال : « وهو أوجه من انتصابه عن فاعل « شَهِدَ » ، وكذلك انتصابه على المدح » . قال الشيخ « 1 » : - وكان الزمخشري قد مثّل في الفصل بين الصفة والموصوف بقوله : « لا رجل إلا عبد اللّه شجاعا - قال : « وهذا الذي ذكره لا يجوز لأنه فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو المعطوفان اللذان هما « وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ » وليسا معمولين لشيء من جملة « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » بل هما معمولان لشهد ، وهو نظير : « عرف زيد أنّ هندا خارجة وعمرو وجعفر التميمية » فيفصل بين « هند والتميمية » بأجنبي ليس داخلا في حيّز ما عمل فيها ، وذلك الأجنبيّ هو « وعمرو وجعفر » المرفوعان المعطوفان على « زيد » . وأمّا المثال الذي مثّل به وهو « لا رجل إلا عبد اللّه شجاعا » فليس نظير تخريجه في الآية ، لأنّ قولك « إلا عبد اللّه » بدل على الموضع من « لا رجل » فهو تابع على الموضع ، فليس بأجنبي ، على أنّ في جواز هذا التركيب نظرا ، لأنه بدل و « شجاعا » وصف ، والقاعدة أنه إذا اجتمع البدل والوصف قدّم الوصف ؛ وسبب ذلك أنه على نية تكرار العامل على الصحيح ، فصار من جملة أخرى على هذا المذهب » . الوجه الثالث : نصبه على المدح . قال الزمخشري : « فإن قلت : أليس من حقّ المنتصب على المدح أن يكون معرفة ، كقولك : « الحمد للّه الحميد » إنّا معاشر الأنبياء لا نورث » « 2 » . وقوله : 1206 - إنّا بني نهشل لا ندّعي لأب * . . . « 3 » قلت : قد جاء نكرة كما جاء معرفة ، وأنشد سيبويه ممّا جاء منه نكرة قول الهذلي :

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 405 . ( 2 ) تقدم تخريجه . ( 3 ) البيت لشامة بن حزن النهشلي وهو صدر بيت وعجزه : . . . * عنه ، ولا هو بالأبناء يشرينا ويروى صدر البيت ( إنا بني مالك ) . انظر الشذور 674 ، الحماسة ( 102 ) ، المؤتلف 66 ، الكامل 65 ، واستشهد النحاة بهذا البيت بقوله ( بني نهشل ) حيث نصبه على الاختصاص بفعل محذوف للدلالة على المدح . قال أبو زكريا التبريزي : وانتصاب بني على إضمار فعل ؛ كأنه قال : اذكر بني نهشل ، وهذا على الاختصاص والمدح ، وخبر إن « لا ندعي » ولو رفع فقال : إنا بنو نهشل - على أن يكون خبرا - و « لا ندعي » في موضع الحال ، والفرق بين أن يكون اختصاصا وبين أن يكون خبرا صراحا هو أنه لو جعله خبرا لكان قصده إلى تعريف نفسه عند المخاطب ، وكان لا يخلو فعله لذلك من خمول فيهم أو جهل من عند المخاطب بشأنهم ، فإذا جعل اختصاصا فقد أمن الأمرين جميعا .